عبد الناصر بنوهاشم.. آلة الإبادة صدِئت

 

أرخى الليل سدوله وغطّى سُخام النهار. جلستْ بجنب ابنتها الممدّدة على الأرض. بسطتْ كفّيها إلى السّماء المتوارية، منذ شهورٍ، خلف حجب دخان نيران أحرقت فؤادها. تلتْ أدعيةً وحمدت الله على سلامة مَن تبقّى مِن أحِبّتها. انحنتْ، قبّلتْ جبين صغيرتها المتصبِّب عرقًا. وبرفقٍ وحنانٍ مرّرتْ يدها تحت رأس الصّبية الذي أفلت من شظية قنبلةٍ انفجرت غير بعيدٍ عن خيمتها. لحسن الحظّ أنّ القنبلة كانت أرحم من مُطلقها، فاكتفت بِبَتْر رجلها. وضعتْ رأس آخر العنقود على فخذها، وأخذت تُمرّر يدها فوق شعرها. سابقًا، كانت تستمتع بغرس أصابعها في نعومته وتنحني لتتشمّم عطره الطّبيعي. لكن اتساخه لندرة الماء، الذي لم يعد يكفي لريّ العطش، لبّده وجعله أشعت. منعوا الماء عنهم، كما منعوا الخبز وحرموها من متعةٍ لاحظت أنّ رغبتها فيها ازدادت منذ أسابيع. منذ أن غاب الحنون الذي بدفء روحه كان يُبلسم قروح نكبةٍ متواصلةٍ لعقود.
أخذوه ذات صباحٍ. جرجروه أمامها. كانت تصرخ وتلعن وأبناؤها العشر حولها صامتين، كاظمين غيظهم، ينظرون شزرا. استدار نحوهم، وبهدوء المتيقّن من مصيره، حرّك رأسه من أسفل إلى أعلى. فتح عينيه واسعًا وهو ينظر إلى السّماء المكفهّرة وابتسم. فهم الجميع رسالته. سيرتقي. وعليهم أن يسيروا على خطواته ويُكملوا المسير. التقط الجميع رسالته، إلّا البهية، الصّغيرة، ذات الخمس سنوات، فكانت عيناها، المغرورقتان بالدّموع، شاخصتين، لا معنى فيهما غير الذهول. لا تستطيع تَقبُّل أخذِ بابا الذي كان يلاعبها كلّما عاد ليلًا. أبوها الذي كانت تقاوم النّوم قدر ما استطاعت لتفرح بضحكته العالية وهو يحملها إلى خارج الخيمة، يُجلسها على كتفيه، ويقول لها: “كم عدد الأطفال تريدين عندما تكبرين؟” تجيب بسرعة وهي تنفجر ضاحكةً: “تسعة عشر، مثل جدّي”. فيقول: “هيّا يا ولّادة، اقطفي من السّماء تسع عشرة نجمةً وخبّئيها لتهديها لأبنائك”. ترفعُ يديها عاليا إلى السّماء، محاولةً بلوغ النجوم. تقول ضاحكةً، إنّها بعيدة. يجيب: “لا، إنّها قريبة…” يتمطّط، يطْحر وكأنّه يقتلع النجوم بصعوبة. يُسرّ لها بصوتٍ خفيض: “اعلمي يا ابنتي أن لا مُنى نبلغه دون جهد… آه! هذه الأولى، هات يدك، أسرعي لإخفائها قبل أن يراك أعداء النّور … وهذه الثانية، هيّا أسرعي …” ودون أن تتوقّف عن الضحك، تُخبئ نجوم السّماء بين ثنايا صدرها.
اقتادوه. مدّت يدها وكأنّها تريد أن تتعلّق بيده. ولكنه كان بعيدًا عنها. وقبل أن يرموا به في السيّارة، التفتَ إليهم وصاح عاليًا: “لا تضيّعوا النجوم، يا شباب. اقطفوا منها ما استطعتم، فالسّماء مثل الأرض مِلككم”.
غاب والدها ولن يعود. لكن أولئك المدجّجون بالأسلحة، البادين كأنّهم آلات متحرّكة، عادوا وبأعداد أكبر. سمعتْ صراخهم، صمّ أذنيها الصّغيرتين صوت رصاص تلاه عويلٌ ونحيب. ضمّتها أمّها بقوّةٍ تزداد بقدر ما يقترب الصّراخ وصوت الرّصاص والعويل والنّحيب. وقفوا أمام خيمتهم، ورشّاشاتهم مصوّبةٌ إلى صدورهم، تفرّسوا في وجوههم وأمروهم بالخروج.
تحسّست البنت صدرها، لتتأكّد من أنّها لم تُضيّع الأمانة التي أودعتها لديها أمّها. كان ذلك بعد اقتياد أبيها من طرف الروبوتات إلى حيث لن يعود. في الليل، جلست الأمّ قرب ابنتها، ومن صدرها أخرجت كيسين صغيرين. وقالت لها: “في هذين الكيسين أغلى ما نملك. واحدٌ تركه لي أبوك بعد أن لم ينج من القتلة أيٌّ من ورثة أبيه. والآخر من أبي، جدّك الذي لم يتبقّ من خَلَفه إلّا أنا. في هذين الكيسين يا كبيرتي مفتاحيْ دار أجدادك من أبيك ومنزل أجدادي. من منازلنا طُرد أجدادنا. بالحديد والنّار والغدر والخيانة هُجّروا منها، وسكنها أغرابٌ جاؤوا من أراضٍ بعيدةٍ. حافظي يا عودة على المفتاحين”.
في تلك الليلة، كشفت الأمّ لابنتها سرّ اسمها. “أتدرين لماذا سمّاك أبوك “عودة”؟ لأنّه كان على يقين أنّك ستعودين إلى ديارنا. وكلّما شكّكتُ في ذلك. كان يجيبني إن لم تعد هي فإنّ أبناءها سيعودون ويعمّرون منازلنا. حافظي يا “عودة” على النجوم التسعة عشر التي أوصاك أبوك بإهدائهما لأبنائك”. سألت البنت أمّها مستغربةً:
– ماما. لماذا لا تعطي المفتاحين لكبير إخوتي!؟
– لكلٍّ يا “عودة” قدره…
– ولماذا لا تعطيهما لأختي “دلال”، فهي أكبر منّي؟
– أنت يا روحي هي “العودة”.
ثمّ ضمّتها بحرارةٍ إلى صدرها وقالت: “اسمعيني يا ابنتي جيّدًا، عندما تكبرين وتتزوّجين، لا تكشفي حملك لغير زوجك. فإنّ أجهزة الاستئصال تقول إنّ إلاههم أمَرهم بِبَقْر بطون الحوامل…”
لم تفهم البنت حينها، أنّ قدرها حدّدته الشظية التي سَرقت منها رجلها. لن تحمل سلاحًا، ولكن حُمّلت بأقدس مهمّة. خرجوا من الخيمة. اقترب “روبوت” منهما ودفعهما. سقطت البنت. صرخت الأمّ وانقضّت على من وُلد إنسانًا وحوّلته الرّواية الصّهيونية إلى آلة فتك. وُلدوا بشرًا، وسُحبت منهم إنسانيتهم. قيل لهم إنّهم شعب الله المختار، ومن دونهم أغيار، “جُويِيم”، شعوبٌ نجسةٌ مدنّسة، يحقّ تطهير أرض الميعاد منهم. وجَّه مَن تربّى على انتمائه لجنس أسمى من باقي الأجناس فوّهة رشّاشه إلى صدرها. ارتمى صغير أبنائها، “نصّار”، وطوله لم يبلغ بعد أسفل صدرها، وقف أمام أمّه يحميها من رصاصٍ يُطلق باسم ربٍّ ادّعوا أنّه يُميّزهم عن البشر بسبب عرقهم ودينهم. وتبعه باقي الإخوة. سُمع صوتٌ عالٍ يصمّ الآذان. صوت طائرةٍ يحُثّ على الإسراع في المسير. خفض “الروبوت” رشاشه إلى أسفل وصرخ أن يتحرّكوا.
انحنى “الدُّرة”، أكبر الإخوة. وبالهدوء الذي ورثه عن أبيه، حمل على ظهره صغيرة الأسرة. وحمل الآخرون بعض ما تبقّى لهم من أمتعة. ساروا وسط جيرانهم إلى حيث أشارت لهم آليات الحقد والكراهية. يتجنّبون جثث من سقط من أهاليهم، محترزين من الانزلاق على الدّماء الجارية على أرضٍ عطشى، لم ترتو بعد.
ومِن فوق ظهر أخيها رأت طريقًا تحت الأنقاض، طريقًا ملتوية، تصوّرتها تُوصل إلى منزليْ أجدادها. تردّدتْ في ذهنها أغنيةٌ طالما سمعتها من جدّتها. ودندنت: “سنرجع يومًا إلى حيّنا”. وقَع صدى الأغنية الخالدة في أذن أخيها الذي يحملها على ظهره. ردّد الأغنية. سمعته الأمّ فرفعت صوتها الرّخيم، وردّد بعدها الحشد العظيم:
“سنرجع خبّرني العندليب، غداة التقينا على منحنى
بأنّ البلابل لمّا تزَل، هناك تعيش بأشعارنا
وما زال بين تلال الحنين، وناس الحنين مكان لنا”.
علت أصوات الحشد العظيم. طغت على جلجلة آلات الإبادة التي تشبه في شكلها البشر، وعلى صراخ الطيور المحلّقة في السّماء القاذفة من أفواهها اللهب، وعلى نباح الكلاب العاجزة عن السّفر. وفي الأعين قرأت البهيّة، المسلوبة رجلها الخبر اليقين: “دنا موعد العودة”. التفتت. اندهشت. الصدأ يعلو عتاد الاجتثاث وبعضها ينهار. حدّقت جيّدًا، فرأت العجب. من تحت ركام الأنقاض، تبرز نباتاتٌ غريبة. نباتاتٌ ورقُ وردها يُشبه أصابع. أيادي أطفالٍ طُمروا تحت الحجر والحديد، تخترق الدّمار، من الظلام تنفذ إلى النّور، تُمسك بأرجل ماكينات البطش، يتعثرون ويسقطون… شعرت “عودة” بنسيمِ ريحٍ رطبٍ يلمس وجهها. رفعت عينيها إلى أعلى. شعاعُ شمسٍ يخترق ظلمة الدخان. وتناهى إلى سمعها صوتٌ، من بعيدٍ ينادي باسمها: عودة… عودة… عودة…