بعد محنة السجن .. محمد القاسمي يعود لمهنة صاحبة الجلالة من بوابة الصحافة الاستقصائية

على بركة العقل الراشد، والهدف القاصد، ننطلق في فلك العلم والأدب، والاقتصاد، والاجتماع، والتاريخ والفلسفة والقانون والسياسة، وواقع المجتمع وأشياء أخرى ، في مركبة الصحافة الاستقصائية ، كما يحمل الفلك أقماره وكواكبه محكوما بجاذبية قوانينه، وھي قوانين المعرفة العلمية والموضوعية الصرفة للوقائع والأحداث، حيث الأمل يحذوني أن أسهم بأبحاث ودراسات في مجالي الصحفي بغية تنظيم مسار عقلي إنساني تدور فيه الأبحاث آمنة مطمئنة يأتيها رشدها من كل مكان بغية إيصال إلى المعرفة الرفيعة إلى القراء.
من هذا المنطلق آمنت رفقة عقلاء ذوو تكوين صحفي عالٍ وأھل اختصاص في المجالات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية والقانونية والسياسية بضرورة ركوب ھذا الصعب والمسير والمصير، شاھدين على أنفسھم أن يلتزموا في جميع أبحاثهم بحسب الجهد والطاقة بالموضوعية الصِّرفة والقوانين التي تؤطر ھذا المجال.
وذلك لأن العطاء في عالم الصحافة لا تحتكره فئة مختارة، ولكنها كالشمس مفتوحة الحدود، لا تحصرها سدود ، ولا يقيدها زمن، وهي كالشمس أيضا تمنح ضوءها دون أن تفرق بين السهول الخضراء أو الجبال الجرداء أو البحار الواسعة أو الغابات الملتفة، فيستفيد من أشعتها وضوئها السهل والجبل والبحر والغاب، كل على حسب حاجته ومن مقدار طاقته، اة ومن ثم يصبح لبني البشر الحق في المعرفة، خاصة في ظل ثورة المعلومات الكاسحة التي تقدم لنا عولمة الإعلام في نفس الكأس التي أنهت حياة سقراط العظيم.
هذه الثورة الإعلامية الدولية باختصار تحاول أن تغلب سلوكا ثقافيا معينا على بقية الثقافات، مستعينة بإمكانياتها الهائلة للدخول إلى البيوت الغافية والغرف المقفلة والمخابئ السرية، عبر العين والأذن والشم ومن واللمس، تحت شعار ظاهره الرحمة ومن باطنه العذاب الأليم. إن ثورة المعلومات تمثل لعالم التخلف هجمة مفترسة، تعيد إلى الذهن هجمة الحضارة الغربية عندما اصطدمت بالشرق الغافي، فكانت تلك الرّجة التي هزت العقول هزا وكادت تعصف بالشرق عصفًا لولا ثبات الثقافة المستنيرة التي أضاءها بعض المتنورين.
إزاء هذه الهجمة الجديدة لا يمكن التعامل معها بفکر منحرف، إذ أن الصحافة المتدنية هي أولى فرائس عولمة الإعلام وأسرعها سقوطا بين فخاخها، لكنها تشكل تحديا للإعلام والصحافة الحية.. وقد قبلت رفقة زمرتي ھذا التحدي، ونحن نعلم علم اليقين أننا نضع أنفسنا في الطريق الصعب، ولكننا مصممين عليه، وليس في وسعنا إلا أن نقبل التحدي، وليس لنا من عدة لمواجهته بنجاح سوى البحث عن آيات الحقيقة أينما وجدت، حتي يتبين خيط الصحافة الأبيض من خيطها الأسود، وعندئذ يتنفس صبح بهيج.
ومن هنا فـتجربتنا الصحفية الاستقصائية ملتزمة بأن تجعل موادھا نقية كالشعاع، صافية كالنمير، لا تتلفع بغيمة هوى، ولا تلتف بعتمة تعصب، وإنما تسعى وراء الحقيقة حيثما كانت وأينما وجدت. والهدف ھو البحث عن اليانع من ثمر حقيقة الأخبار، وعن الواضح من الفكر، وعن المفيد من المبتكر، والمهمة أن تستفيد من الجنى الثمير لتزيل الغائر في النفس نتيجة الترسبات الآسنة، ولتجلو الغائم في الذهن نتيجة فهم مغلوط، وتقدم ذلك زادا هنيئا وشرابا سائغا، والالتزام بذلك عهدا وثيقا .